القرطبي
401
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
" أن تكتبوه " في موضع نصب بالفعل . " صغيرا أو كبيرا " حالان من الضمير في " تكتبوه " وقدم الصغير اهتماما به . وهذا النهي عن السآمة إنما جاء لتردد المداينة عندهم فخيف عليهم أن يملوا الكتب ، ويقول أحدهم : هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه ، فأكد تعالى التحضيض ( 1 ) في القليل والكثير . قال علماؤنا : إلا ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوف النفس إليه إقرارا وإنكارا . الخامسة والأربعين - قوله تعالى : ( ذلكم أقسط عند الله ) معناه أعدل ، يعنى أن يكتب القليل والكثير ويشهد عليه . ( وأقوم للشهادة ) أي أصح وأحفظ . ( وأدنى ) معناه أقرب . و ( ترتابوا ) تشكوا . السادسة والأربعون - قوله تعالى : و " وأقوم للشهادة " دليل على أن الشاهد إذا رأى الكتاب ولم يذكر الشهادة لا يؤديها لما دخل عليه من الريبة فيها ، ولا يؤدى إلا ما يعلم ، لكنه يقول : هذا خطى ولا أذكر الآن ما كتبت فيه . قال ابن المنذر : أكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يمنع أن يشهد الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة . واحتج مالك على جواز ذلك بقوله تعالى : " وما شهدنا إلا بما علمنا ( 2 ) " . وقال بعض العلماء : لما نسب الله تعالى الكتابة إلى العدالة وسعه أن يشهد على خطه وإن لم يتذكر . ذكر ابن المبارك عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه في الرجل يشهد على شهادة فينساها قال : لا بأس أن يشهد إن وجد علامته في الصك أو خط يده . قال ابن المبارك : استحسنت هذا جدا . وفيما جاءت به الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم في أشياء غير واحدة بالدلائل والشواهد ، وعن الرسل من قبله ما يدل على صحة هذا المذهب . والله أعلم . وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأحقاف ( 3 ) " إن شاء الله تعالى . السابعة والأربعون - قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة ( 4 ) حاضرة تديرونها بينكم ) " أن " في موضع نصب استثناء ليس من الأول ، قال الأخفش [ أبو سعيد ( 5 ) ] : أي إلا أن تقع تجارة ، فكان بمعنى وقع وحدث . وقال غيره : " تديرونها " الخبر . وقرأ عاصم وحده " تجارة "
--> ( 1 ) كذا في ج وه ، وفى ب وأو ح وط : التحصين . ( 2 ) راجع ج 9 ص 244 ( 3 ) راجع ج 16 ص 181 فما بعد . ( 4 ) قراءة نافع . ( 5 ) من ب .